عبد الكريم الخطيب

916

التفسير القرآنى للقرآن

تعلم أنهم لا ينطقون . . وإذن فلا كذب من إبراهيم ، وإنما هو الحق الصراح ، في أسلوب مجازى ! ! « فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ » . أي إنه حين جابههم إبراهيم بهذا الجواب بهتوا ، ووقع في أنفسهم هذا القول الذي قاله ، أنه حق ، وأنهم على ضلال ، وما كان لهم أن يعبدوا هذه الدّمى ، وتلك الخشب المسندة . . إنها لحظة خاطفة أشرقت فيها أنفسهم بنور الحق ، واستبان لهم على ضوء هذه اللمعة أنهم على ضلال ، وأنهم قد ظلموا أنفسهم بهذا الضلال الذي هم فيه ، ولو وجدت هذه الشرارة المنطلقة من أعماق فطرتهم ، شيئا من العقل المستبصر ، والبصيرة النافذة - لاشتعلت هذه الشرارة في كيانهم ، ولأضاءت عقولهم وقلوبهم ، ولطردت هذا الظلام الكثيف المخيم عليهم . . ولكن ما أن كادت هذه الشرارة المضيئة تنطلق ، حتى نفخ فيها الهوى ، والضلال ، فماتت في مهدها ، وخبت في مكانها ! « ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ . . لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ » . . لقد صحّ وضع القوم في الحياة ، حين أوقفهم إبراهيم على أقدامهم ، وأراهم من آلهتهم ما هي عليه من ذلّة وضعف واستسلام ، فرأوا وجه الحق مشرقا مضيئا . . ولكن سرعان ما غلب عليهم ضلالهم ، فعادوا إلى وضعهم الأول المنكوس ، ونكسوا على رؤوسهم ، فرأوا الأشياء في وضعها المقلوب ، كما كانوا يرونها من قبل . . رأوا الحق باطلا ، والباطل حقا . . وعادوا إلى إبراهيم يحاجّونه بهذا الضلال : « لَقَدْ عَلِمْتَ . . ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ ؟ » « قالَ : أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ . أَ فَلا تَعْقِلُونَ » ؟